الشيخ محمد علي الأراكي

365

أصول الفقه

بل مراده قدّس سرّه كون الاستمرار وصفا للوجوب ، فإكرام زيد واجب مستمرّا بمعنى أنّ وجوب الإكرام يلازمه ولا ينفكّ عنه ، فكلّ زمان كان الزيد موجودا فمقتضى الوجوب الملازم له كون إكرامه في هذا الزمان موردا للإطاعة والمعصية ، والحاصل أنّ المراد استمرار الوجوب ، لا وجوب الاستمرار ، كما أنّ هذا هو الحال في البقاء في باب الاستصحاب . وليعلم أنّ ما ذكرنا من الرجوع إلى الاستصحاب إنّما هو في ما إذا لم يكن خروج الفرد في زمان من باب تغيير العنوان ، وإلّا فلا إشكال في أنّه لو عاد إلى العنوان الأوّل لا يستصحب حكم العنوان الثاني ، بل يرجع إلى حكم العنوان الأوّل ، فلو صار الحاضر مسافرا ثمّ صار حاضرا لا يستصحب حكم المسافر ، بل يرجع إلى حكم الحاضر ، فالاستصحاب مخصوص بما إذا كان المتحقّق مجرد إخراج الفرد في زمان كإخراج زيد يوم الجمعة من دون أن يكون في البين تصنيف الموضوع إلى عنوانين . بقي هنا شيء ينبغي التنبيه عليه ، وهو أنّه قد قلنا : إنّ المتكلّم لا يلاحظ الزمان أصلا ، لا بفرض الأجزاء له وملاحظة كلّ واحد على وجه الاستقلال إمّا بنحو التفريد وإمّا بنحو الظرفيّة ، ولا بفرض الأجزاء له وملاحظة المجموع بلحاظ واحد حتّى يكون كلّ واحد ملحوظا بالتبع ، بل ولا بنحو الاستمرار ، وإنّما يتكلّم بقضيّة كليّة ومفادها ليس بأزيد من استيعاب الحكم لجميع الأفراد ، وهذا يتحقّق بثبوته في كلّ فرد في زمان ما ولا يستدعي الاستمرار ، ومقدّمات الحكمة لا تفيد لحاظ المتكلّم للإطلاق ، فإنّ وجه الأخذ بالإطلاق في قبال التقييد كونه أخفّ مئونة من التقييد ، فإذا كان هو أيضا محتاجا إلى اللحاظ كان كالتقييد ، بل مفادها عدم لحاظ غير مؤدّى اللفظ وأنّ ما أعطاه المتكلّم لفظا فغيره غير دخيل لبّا ، فإذا كان ما في الواقع واللبّ منحصرا في جعل وجوب الإكرام في كلّ فرد من العالم فمعناه عدم مدخليّة زمان خاص ، وحيث انّ زمانا ما أيضا يوجب اللغويّة فلازم ذلك أن يدوم الحكم بدوام الفرد ، لا أنّ المتكلّم لاحظ الدوام .